الصّوم توبَةٌ وإنَابَة
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ [التحريم : 8] .
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر : 53] .
بدخول رمضان يصوم المسلمون أجمعون بفرحٍ وشوقٍ وابتهاج، حتى المقصّرون تجدهم يبادرون إلى الصيام راجين إصلاح نفوسهم وتصحيح مسالكهم بل أشد من هؤلاء الفُسّاق يعظّمون هذا الشهر ويراعون حُرمته ، فلا يخلصون إلى الشر والفساد مثل ما يخلصون في غيره كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم كابن القيّم رحمه الله .
وكأن هؤلاء على قناعة تامة من أهمية رمضان وفضيلته ، وأن الآثام فيه تُضاعف كما تُضاعف الحسنات والأجور ، لِذا تراهُم يحفظون حرمة الصيام إلى حدٍّ كبير مع اختلاف بينهم في ذلك ، حيث قد بدَت طوائف هذه الأيام تصون أنفسها حال الصيام فإذا حان الإفطار فرحوا لكي يمارسوا خطاياهم ومفاسدهم ، حتى إن بعض المدخّنين ـ أصلحهم الله ـ يبادر بالتدخين وقت الإفطار وكأنه كان في ضنكٍ وحرج وضيق من فُقدانه والبُعد عنه ، والله المستعان .
يا أيها الأخوة :
إن رمضان فرصة للتوبة وسبيل إلى الرجوع والأوبَة ، فقد توافرت فيه كل الدوافع المساعدة لرجوع العبد إلى ربّه منها :
- سعة رحمة الله وفضله في هذا الشهر الكريم .
- انحسار مدّ الشياطين وتضييق مجاريهم .
- إقبال النفوس على الطاعة وتسابقها في ذلك .
- صفاء النفوس بالصوم حيث يهذّبها ويربّيها ويجعلها قريبة من الانتفاع بسماع القرآن والذكر ، ومن ثم يكون سبباً في توبتها وإنابتها إلى خالقها وربّها تعالى .
يا صائمون :
رمضان موسم رحمة ومغفرة ولجوء إلى الله وتوبة ، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَاب َوَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه : 82] ، كيف يعصي الصائم فيه ربَّه ويتمرّد على حكمه وشرعه ؟! أما درى هؤلاء أن الفضل فيه عام سابغ ، وأنّ صومهم جُنّة لهم عن كل سوء وشهوة ، ثم هو جُنّة من النار ، لأنهم زجروا أنفسهم عن الشهوات والمعاصي فكان ذلك سبباً في نجاتهم من النار .
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت : 69] .
إن إقبال الناس على الطاعة في رمضان ومسارعتهم فيها آية رجوعهم وتوبتهم إلى الله تعالى ، إذ الإقبال على الطاعة علامة خير وصلاح في العبد ، وربّنا تعالى أرحم الراحمين وخير الغافرين ، واسعُ الفضل والمنّ صاحب الجود والطَّول ، يقبل التوبة ويعفو عن السيئات ، بل يبدّلها إلى حسنات مباركات كما قال سبحانه :
﴿إِلاَّ مَن تَابَوَآمَنَوَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ [الفرقان : 7] .
وجاءفي حديث عند الطبراني والبزّاز والبغوي ، وقال الحافظ : هو على شرط الصحيح ، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها ولم يترك حاجة ولا داجة ، فهل له من توبة ؟ فقال : أسلمت ؟ قال : نعم ، قال : "فافعل الخيرات واترك السيئات فيجعلها الله لك خيرات كلها" قال : وغدراتي وفجراتي ؟ قال : نعم ، قال فما زال يكبّر حتى توارى(الطبراني في الكبير (7235) والبزار (3244) .).
رحمته وسعت كل شيء ، وإنعامه لا يقف عند حد ، يبسط
يبسط يده بالليل ليتوب مسيءُ النهار ، ويبسط يده بالنهار
ليتوب مسيءُ الليل(حديث صحيح في مسلم عن أبي موسى (2759) .).
أي تشويق وترغيب يرومُه العبد بعد هذا الجود الواسع ، وهذا الإطماع
المتناهي . وفي هذا الشهر الكريم تُفتّح أبواب الجنة وتُغلق أبواب النهار
وتُصفَّد الشياطين ويعتق اللهُ مَنْ شاء مِن عباده وذلك كل ليلة .
سبحان الله ! الخيرات تدنو والشرور تقصو ، والنفوس
إلى الطاعات
أرغب وأقرب ، وعن المعاصي أبعَد وأقصر ، والأجور وافرة
والشياطين عاجزة .ثبت في المتفق عليه عن أبي هريرة ـ رضي الله
عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا جاء رمضان
فُتّحت
أبواب الجنّة وغُلِّقت أبواب النار وصُفّدت
الشياطين
(البخاري (1899) ، ومسلم
وفي هذا الحديث دليل على أن التصفيد ليس
لكل الشياطين
بل لبعضهم وهم مرَدة الجنّ ، وعلى هذا
ترجم الإمام أبو
بكر ابن خزيمة ـ رحمه الله ـ في
صحيحه .وقد استشكل
بعض الناس وجود الشرور والمعاصي
وكثرتها في رمضان
، فلو
صُفّدَت الشياطين لم يقع ذلك ؟ والجواب : أنها تقل عن
الصائمين
الصومَ الذي حُوفِظ على شروطه وروعيَت
آدابه ، وصلحت
به أنفسهم
وقلوبهم ، فحينئذ يحصل لهم الانتفاع بذلك ،
وقيل : إن
التصفيد خاص
بالمرَدة من الشياطين وليس كل الشياطين كما
في الحديث
السابق ،
وقيل : المراد تقليل الشرور فيه كما هو
محسوس ، وقد تكون
الشرور
منبعثة من أسباب أخرى كالنفوس الخبيثة
والعادات القبيحة والشياطين الإنسية(انظر
الفتح (4/137) .)
والجواب الأول والثاني معتبران أما الأخير
فضعيف ، لِما عُلم من أن النفوس الخبيثة
والشياطين الإنسية إنما أزَّتْها إلى الشرور
والإفساد الشياطين ، والله أعلم .
أيها الصائمون الكرام :
يقول النبي صلى الله عليه وسلم : (كل الناس يغدو فبائعٌ نفسَه
فمُعتِقُها أو مُوبِقُها) (أحمد (342) ومسلم (223) ، والترمذي
(3517) عن أبي مالك الأشعري )، أي "أن كل إنسان فهو ساعٍ
في هلاك نفسه أو في فِكاكها ، فَمَن سعى في طاعة الله فقد باع
نفسه لله وأعتقها من عذابه ، ومَن سعى في معصية فقد باع
نفسه بالهوان ، وأوبقَها بالآثام الموجبة لغضب الله
وعقابه"( جامع العلوم والحِكَم ص (28) .).