الإمام العلامة، والبحر الفهامة، الطود الأشم، والبحر الخضم، إمام المفسرين، ورئيس اللغويين جار الله أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوازمي الزمخشري.
مولده
ولد بزمخشر من قرى خوارزم يوم الأربعاء 27 رجب 467هـ، في عهد السلطان أبي الفتح ملكشاه.
نشأته
كان السلطان أبو الفتح قد شجع على العلم ووسع على العلماء، فنشأ الزمخشري في هذه الفترة وتلقى العلم على أكابر علماء بلده، رحل إلى بخارى وفي طريقته سقط عن دابته فانكسرت رجله ثم بترت، فكان يتخذ رجلا من خشب، وقد سقطت من الثلج .
ولم تحفل المصادر التاريخية بالحديث عن أسرة الزمخشري، وما كانت تتصف به، والمعيشةالتي كانت عليها. فغاية ما ذكر أن والده كان إماماً بقرية زمخشر. ويورد عدد منالمصادر ذكراً سريعاً لأمه مرتبطا بحادثة يرويها الزمخشرى نفسه. ونستدل من هذهالأخبار أنها امرأة ورعة تقية. ولو حاولنا أن نتعرف إلى أسرة الزمخشري أكثر، نجدأنه قد أورد ذكراً لأسرته في أشعاره. ومنها نذكر هذين البيتين اللذين قالهماالزمخشري مستغفراً الله من الخمر:
أستغفر الله أنني قد نُسِبتُ بها ولمأكن لمحياها بذَوَّاقِ
ولم يذقْها أبي كَلاّ ولا أحدٌ من أسرتيواتِّفاق الناس مصداقي
من الشعر السابق يظهر أن الزمخشري ينتمي إلى أسرةذات دين وتقوى وورع، فقد كانت بعيدة عن مثل هذه المحرمات التي يستغفر الزمخشريمنها.
وكان للزمخشري ألقاب عدة أطلقها عليه المؤرخون وكتّاب السّير. وقدغلب عليه لقب جار الله ، فكان يُلقَّب به، ويُذكر معه حيثما ورد له ذكر. وقداتفقت المصادر المتعددة على أن إقامة الزمخشري في مكة مجاوراً البيت الحرام، كانتسبباً في إطلاق هذا اللقب. وقد ذكر ابن خلكان أن اللقَب كان علماً عليه.
وقد ارتبط بالزمخشري لقب آخر، وهو فخر خوارزم، وتستخدمه معظم المصادرعندما تشرع بالحديث عنه. ولعل إطلاق هذا اللقب على الزمخشري راجع إلى المكانةالعلمية الجليلة التي كان يتمتع بها.
تتلمذ على محمد بن جرير الضبي الأصفهاني النحوي المعتزلي، ثم رحل إلى خراسان وأصفهان وبغداد وفيها التقى بالإمام الدامغاني الفقيه الحنفي، وسمع بغداد من نصربن البطر وبالشريف ابن الشجري، وتخرج به أئمة، ثم سافر إلى مكة وجاور بها زمانا، فلقب بـ(جارالله) وبها لقي رعاية من الأمير عُلَيّ بن عيسى بن وهاس العلوي الزيدي، وقرأ كتاب سيبويه على عبدالله بن طلحة اليابري، وطاف أنحاء الجزيرة واليمن، ثم رحل عن مكة إلى وطنه فمكث زمنا، ثم عاد إلى مكة وفي جواره الثاني ألف كتابه الشهير (الكشاف) ثم عاد إلى وطنه خوارزم.
علاقته بإمام الزيدية:
ويحكي الزمخشري علاقته بالأمير فيقول فلما حططت الرحل بمكة إذا أنا بالشعبة السنية من الدوحة الحسنية الأميرالشريف الامام شرف آل رسول الله أبي الحسن علي بن حمزة بن وهاس أدام الله مجده وهو النكتة والشامة في بني الحسن مع كثرة محاسنهم وجموم مناقبهم أعطش الناس كبداوألهلهم حشى واوفاهم رغبة حتى ذكر انه كان يحدث نفسه في مدة غيبتي عن الحجاز معتزاحم ما هو فيه من المشادة بطع الفيافي وطي المهامة والوفادة علينا بخوارزم ليتوصل الى إصابة هذا اغرض فقلت قد ضاقت على امستعفى الحيل وعيت به العللورأيتني قد اخذت مني السن وتقعقع الشن وناهزت العشر التى سمتها العرب دقاقة الرقابفأخذت في طريقة اخصر من الأولى مع ضمان التكثير من الفوائد والفحص عن السرائرووفقه الله وسدده ففرغ منه في مقدار مدة خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عهنه وكانيقدر تمامه في أكثر من ثلاثين سنة
قال الزمخشري في عُلي ابن وهاس العلوي إمام الزيدية و فضله عليه حين مقامه هناك :
بمكةَ آخيتُ الشريفَ و فتيةً
تـُـوَالِيْهِ من آل النبي غطارفا
يُتابعُ إنْ نُوظِرْتُ ردءاً لشاغبٍ
و ينهضُ إنْ ذُوكِرْتُ رِدْءَاً مُكاتِفاً
متى أقبلَ العلاَّمةُ انتفضوا لهُ
و حَيَّوْهُ ، حيَّا اللهُ تلك المــعارفا
و كان ابن وهاس لجنبي فارشاً
كما تفعلُ الأمُ الحــفيةُ لاحفا
و تـمَّ ليَ الكشاف ثمَّ ببلدةٍ
بها هبط التنـزيل للحق كاشفا
على باب أجياد بنى لي منزلاً
كركن شمام بالصفا متواصفا
و أنفق في إتمامه من تلادِهِ
ثقيلات وزنٍ في البلاد خفائفا
مولد الكشاف :
الدار التي ألف فيها الزمخشري كشافه، تعرف بـ الدار السليمانية ، فقد ورد في إحدى نسخ كتاب الكشاف ما نصه : في أصل المصنف بخطه رحمه الله : و هذه النسخة هي نسخة الأصل التي نقلت من السواد … ، و هي أم الكشاف الحرمية المباركة المتمسح بها، المحقوقة أن تسنتزل بها بركات السماء، ويستمطر بها في السنة الشهباء، فرغت منها يد المصنف تجاه الكعبة في جناح داره السليمانية التي على باب أجياد الموسومة بمدرسة العلامة ، ضحوة يوم الاثنين 23 ربيع الآخر عام 528 … . أهـ [1].
و يبدو أن منزل الزمخشري كان ملتصقاً بأصل الدار السليمانية، و أنها كالمرفق الجديد، و لهذا قال فيها : جناح داره ، و ظاهر تسميتها بالسليمانية يدل على نسبتها إلى بني سليمان، و هم رهط و قبيل ابن وهاس، فلعلها من أوقاف آله، أو مما ورثه من آبائه أيام إمارتهم .
و تبادل ابن وهاس و الزمخشري أبيات المديح، فكان الزمخشري يقول:
خليليَّ من أعلى تهامة أنجدا
أخاً كان غوريَّ الهوى ثم أنجدا
أخالكما إن تسعدا ببكاكما
أخاً لكما صباً تفوزا و تسعدا
إلى أن يقول :
و لا كابن وهاس فتىً ضمَّ بُردُه
حـساماً و ضرغاماً و أخضر مزبدا
فتىً هو حاوٍ للمعاني بأسـرها
و قد جلبت منه المعالي بأوحــدا
عُلاً حسنيات سنيات أنبتــت
له بيت مجد في السناء مشـــيدا
نجيبٌ نمته من ذؤابة هاشـــم
نصاباً كفاه بالنبوة محتـــــدا
يقول في الترحال والهجرة:
في الجزء الثالث من الكشاف بذيل الآية السادسة والخمسين من سورة العنكبوت: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) يقول: ((معنى إن المؤمن إذا لم يتسهل له العبادة في بلد هو فيه ولم يتمش له أمر دينه كما يحب فليهاجر إلى بلد يقدر أنه فيه أسلم قلباً وأصح ديناً وأكثر عبادة وأحسن خشوعاً. ولعمري إن البقاع تتفاوت في ذلك التفاوت الكثير، ولقد جربنا وجرب أولونا فلم نجد ـ فيما درنا وداروا ـ أعون على قهر النفس وعصيان الشهوة وأجمع للقلب الملتفت وأضم للهم المنتشر وأحث على القناعة واطرد للشيطان وأبعد من كثير الفتن واضبط للأمر الديني في الجملة من سكنى حرم الله وجوار بيت الله، فلله الحمد على ما سهل من ذلك وقرب ورزق من الصبر وأوزرع من الشكر. وعن النبي (ص): ((من فر بدينه من أرض إلى أرض ـ وإن كان شبراً من الأرض ـ استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد...).
بعض من قابلوه:
ذكر التاج الكندي أنه رأى الزمخشري على باب الإمام أبي منصور بن الجواليقي، وقال الكمال الأنباري لما قدم الزمخشري للحج، أتاه شيخنا أبو السعادات بن الشجري مهنئا بقدومه، قائلاً:
كانَتْ مُسَاءَلَةُ الرُّكْبَانِ تُخْبِرُنِي عنْ أحمدَ بنِ عليٍّ أطيبَ الخَبرِ
حتّى التَقَيْنا فلا واللهِ ما سَمِعَتْ أُذْنِي بأحْسنَ مِمَّا قَدْ رَأَي بَصَرِي
وأثنى عليه ، ولم ينطق الزمخشري حتى فرغ أبوالسعادات، فتصاغر له، وعظمه، وقال : إن زيد الخيْلِ دخل على رسول الله -صلى اللهعليه وسلم- ، فرفع صوتَه بالشهادتين، فقال له : يا زيد كلُّ رجلٍ وُصِفَ ليوَجَدْتُهُ دُونَ الصِّفَةِ إلاَّ أنتَ، فإنَّك فوقَ ما وُصِفْتَ. وكذلك الشريفودعا له وأثنى عليه .