الاكتئاب .. المعاناة والأسباب والعلاج
- التجربة الأكثر قساوة ما يحدث في عقل المكتئب ..
الاكتئاب ما هو؟
هل هو مجرد حزن ؟ تكدر في المزاج؟ زعل؟زهق؟... أم اكثر من ذلك ؟؟
لنتأمل الأبيات التالية...
فؤاد ما تسليه المدام وعمر مثلما تهب اللئام
أي فؤاد هذا الذي لا تسليه المدام ..بكل ما تفعله من فك للكوابح وأي عمر ذلك الذي يشبه هبة اللئام هل تهب اللئام شيئا؟
ما هي الحالة النفسية التي يعكسها هذا البيت ...وكيف كان المتنبي حين قاله ..؟ ضجرا ...متبرما ..حزينا أم كل هذه الأشياء سوية .
ترى كيف كان أبو تمام حين قال :
هبي تري أرقا من تحته قلق يحدوهما كمد يحنو له الجسد
لو يعلم الناس علمي بالزمان وما عاثت يداه لما ربوا ولا ولدوا
أرقا لا ينام
قلقا غير مستقر
مكمودا حزينا
ضعيف الجسد حانيه
متبرما من الحياة كلها
وماذا عن ابن الرومي ذلك المتطير المتوتر :
ولقد منعت من المرافق كلها حتى منعت مرافق الأحلام
من ذاك أني ما أراني طاعما في النوم أو متحفزا لطعام
إلا رأيت من الشقاء كأنني أثنى واكبح دونه بلجام
قد حرم من كل شيء ...حتى في الأحلام...كلما حاول أن يأكل يكبح غصبا وكأنه ملجوم ومسلوب الارادة.
ويقول اكثر :
لما تؤذن الدنيا به من صروفها يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وانه لأرحب مما كان فيه وأرغد
ينقل ابن الرومي هنا الضيق وثقل الدنيا إلى المستوى الوجودي ... لماذا يبكي الطفل ساعة الميلاد وهو المنتقل من الضيق إلى الرحب؟
أي عاطفة تستدعي هذا التساؤل بل أكثر :
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكن امانيا
أي داء ذاك الذي يدفع اشخص للموت ....وأي داء يكون دواءه الموت ومن من الناس يرى الموت أهون مما هو فيه ؟
كيف يكون الموت أمنية وحلا؟
هل يمكن ان يضعك الاكتئاب في مواجهة نفسك ,هل يمكن أن يقتلك عقلك ؟أم هو الانتحار..
نعم يمكن ..تأمل ما يقول ابو العلاء :
مُهجَتي ضِدٌّ يُحارِبُني أَنا مِنّي كَيفَ أَحتَرِسُ
هل هناك اصعب من أن تسجن داخل نفسك ؟
لعل التجارب الإنسانية السابقة تعكس الأوجه المتعددة للاكتئاب ...فهو ليس حالة حزن عابر تمر بك ذات صباح أو عند خناقة زوجية أو خلاف عمل ... هو جملة من الأعراض والاضطرابات تشمل المشاعر والتفكير والنشاطات الحيوية ومن ثم السلوك ولربما يمتد ذلك إذا ما طال ليشمل موقفا كاملا من الحياة لا يرى صاحبه سوى النصف الفارغ من الكأس.
وعلميا ليشخص أحد ما بأنه يعاني من الاكتئاب يجب أن تتوافر فيه جملة من الأعراض ممتدة لفترة زمنية لا تقل عن خمسة عشر يوما يكون خلاها كل الأيام معظم ساعات اليوم حزينا مفتقدا للإحساس بالمتعة والبهجة غير آبه أو ملتفت لما كان في السابق يثيره أو يفرحه لا عشيقا احبه ولا طعاما استمتع به, يشعر بانعدام الرغبة وحتى القدرة على عمل أي شيء,حتى النوم , ثقيل الهمة , عديم النشاط , منزويا تأكله الأفكار نادما على ما فعل متحسرا على ما لم يفعل يرى نفسه اقل من الآخرين حظا ومكانة وشأنا أما حين ينظر للمستقبل , هذا أن نظر, فلا يرى فيه إلا فشلا محققا ومستقبلا اظلم من الحاضر وربما تتداعى أفكاره لتصل إلى ضرورة التخلص من الحياة لتجنب الآلام التي لاشك قادمة أو لتجنب الأسوأ أو لان الحياة لا تستحق هذا العناء أو " إن موتي افضل للجميع لأنني عنصر نكد دائم ,....ثم من سيفتقدني الأفضل أن اذهب واترك الجميع يرتاحون.........." إلى آخر التداعيات السلبية.لدرجة أنه قد يرى"الموت شافيا" و....ينتحر .
في اللغة العربية ..الكآبة لا تعني الحزن وإنما انكسار النفس من شدة الهم والحزن نعم انكسار.
وفي الطب الحديث الاكتئاب مرض كأي مرض آخر
والمكتئب ليس مجرد شخص حزين أو نكد أو ضعيف ا أو غير قادر على التأقلم أو مبالغ أو...هو مريض وبحاجة لعناية متخصصة ولا يستطيع التخلص من أعراضه ببساطة ودون مساعدة , تماما كما لا يستطيع المصاب بالقرحة أو التهاب المفاصل أو القلب أو السكري التخلص من آلامه ببساطة ودون مساعدة .
كيف يكون المكتئب ؟
هل يستشعر ضعفا وألما لا يدري له سببا .. ربما
هل يبدو ذلك في سلوكه دون أن يعبر عن ذلك تعبيرا محكيا ؟...ربما
في مشيته ..نعم
جلسته...نعم
نظرته ...نعم
نبره صوته ...نعم
تعبير وجهه ...نعم
سلوكه وتعامله ...نعم
قيافته وهندامه .... نعم
هل بإمكانه إخفاء بعض هذه المظاهر؟ ...نعم ....كلها ؟لا.
الانتشار والكلفة :
ينتشر الاكتئاب كمرض في جميع المجتمعات وبنسب متفاوتة اقلها في تايوان وكوريا 5% أكثرها في منطقتنا 19% .
يصيب الاكتئاب جميع الأعمار والفئات من الطفل الرضيع إلى الشيخ الرجيع , الغني والفقير , المتزوج والأعزب الرجل والمرأة ...
هل يصيب الجميع بنفس الدرجة؟ لا ..
النساء اكثر عرضة للإصابة وبنسبة تزيد على الضعفين , فالمرأة عرضة لضغوط الحياة مضاف إليها ضغوط الرجل واللافت في بلادنا أن مراجعات النساء المصابات للعيادات اقل من مراجعات الرجال ولعل هذا يعكس حالة الظلم الواقعة على المرأة فهي الأكثر إصابة والأقل رعاية .