الحياة الزوجية لا تسير في كل الأحوال على وتيرة واحدة ، و بين هذا و ذاك فترات عصيبة تمر بالحياة الزوجية ... لكن يبقى الملل فيروساً يضرب الحياة الزوجية بعنف ، و قد يصيبها في مقتل إن لم يتم علاجه .
الملل الزوجي آفة تتعرض لها العلاقة الزوجية و خاصة في ظل طول الفترة التي يرتبط فيها الطرفان ، والمحصلة النهائية للواقع الأسري هو الإحساس بالملل الذي يقود إلى التعاسة الزوجية ، و ليست المشكلة في الإحساس بالملل الزوجي ، و إنما تبقى الإشكالية في عدم قدرة البعض على التغلب على هذا الملل الذي يضرب أواصر الحياة الزوجية فيصل بها إلى هاوية الطلاق أحيانًا ، و عديدة هي قصص الإحساس بالملل بين الزوجين .
تعترف السيدة منال ( زوجة وأم ) ... أن الملل بدأ يدب في حياتها الزوجية منذ العام الثاني من زواجها ؛ إذ تراكمت عدة ظروف منها وفاة والدها ، و مشكلاتها المستمرة مع زوجها ، والحمل والولادة ... كلها ظروف أدت إلى تزايد الفجوة بينها و بين زوجها بشكل كبير ، و هي منهكة بالمسؤوليات والإحباطات و زوجها في عالم " تاني" يريدها هي التي تتغير و هو لا يريد بذل أدنى عطاء .
و تقول منال : كان إحساسي بالملل يتفاقم يومًا بعد يوم ، بدأت بنفسي أجذب زوجي للرحلات ، والخروج للتغيير خارج المنزل ، و لكنني تعبت ، أشعر و كأنني أقود طفلاً و أبذل مساعي و مجهودات عظيمة لإقناعه بالخروج أو السفر ، أعترف بأنه شخص جيد و هادئ و لكنه تقليدي ، ليس له أصدقاء ، وبالتالي يريدني أيضًا أن أكون بلا أصدقاء ، و ساد الصمت حياتنا الزوجية ، و حاولت جاهدة أن أطلب منه أن يحتويني بعد وفاة أبي ، و أن يشعرني بكياني كزوجة ، أخفق و أخفقت حياتنا ، والآن نعيش حالة ملل صامتة ، و لا أعلم ما هي النهاية ، و لكن لا تسأليني عن بذل مزيد من المحاولات لتجديد الحياة الزوجية ؛ لأن الخلاصة هي أن من يبذل هذه المساعي لتجديد الحياة الزوجية هما زوجان يرغبان معًا في الاستمرار بسعادة ، و ليس طرفاً دون آخر ، و ليس الاستمرار لمجرد الاستمرار .
لكن سهام إسماعيل تقول : " إن الفتور الزوجي أو الطلاق العاطفي والنفسي بين الزوجين هو مشكلة تواجه معظم العلاقات الزوجية ، و لكن الذكاء هو في كيفية إدارة الزوجة لآلية الفتور" .
فالتحولات التي اجتاحت العالم من حولنا أثرت بشكل أو بآخر على علاقاتنا الاجتماعية ، و على الرغم من أن مجتمعاتنا الشرقية تتميز بدفء العواطف و حرارة المشاعر ، إلاّ أن نسبة كبيرة أصبحت تعاني كالغرب من حاله الفتور ، و أصبح الجليد هو الذي يكسو البيوت ، و باتت لغة الصمت هي اللغة المعتمدة ، و أصبحت هذه النماذج من البيوت تعرف " ببيوت الثلج " ... و على الرغم من ذلك تضع سهام معظم المسؤولية على الزوجة ، وتعتقد أن الحل يتطلب بذل مجهود مضاعف من قبلها لكسر الجليد الذي قد يتراكم في علاقتها بزوجها ، بمعنى أن تكون المرأة عامل جذب قوي لزوجها نحو البيت مرة أخرى .
أما أمل إبراهيم ( مهندسة كمبيوتر ) فقد عبّرت عن رأيها بشكل مختلف عن الإحساس بالملل الزوجي ؛ إذ رفعت شعار : نعم للتجديد الزوجي ، و تقول : إن الملل الزوجي إحساس طبيعي في تصوري ؛ خاصة و أن الرجل بطبعه يشعر بالملل سريعًا و بشكل أكبر من المرأة .
و تشير أمل إلى أن أبرز أسباب الملل الزوجي في رأيها ترجع إلى المرأة بالدرجة الأولى ، و خاصة في الفترة التي تلي الزواج مباشرة و مع الحمل والإنجاب وانشغال المرأة بالطفل الجديد ، هذا يكون مدعاة لتسرب الملل في العلاقة بين الزوجين ... إذ يشعر الزوج بتجاهل الزوجة له ، والزوجة تكون مشغولة بالطفل الجديد ، و تشعر أنها وحدها تتحمل عبء الطفل الجديد ، والزوج غائب عنها لفترات طويلة ؛ إما بسبب الشغل أو الهروب من البيت ... ناهيك عن الروتين اليومي ، و رتابة الحياة في المأكل والملبس و كل شيء .
و تواصل أمل حديثها قائلة : و لأنني متزوجة عن حب فإنني لا أترك إحساس الملل يتسرب إلى سريعًا ، و أقضي عليه فورًا ، لذلك فإن الإجازة بالنسبة لي فرصة جميلة للتجديد والتغير بغض النظر عن المكان ، بمعنى أن الإجازة بالسفر أو دون السفر هي فرصة رائعة لتجديد الحب ، والمشاعر الجميلة بين الزوجين معًا ، كما أنها فرصة للتقريب بين الزوجين خاصة في ظل إيقاع الحياة السريع و مسؤوليات العمل الطاحنة ، و تستطرد أمل قائلة : اعتدت السفر والعودة مع زوجي ؛ إذ أشعر بارتياح و سعادة أكبر ، والعام الوحيد الذي اضطرتني فيه الظروف للسفر بمفردي لم أستطع ؛ لأنني اعتدت ألا أفترق عن زوجي في الإجازات ... فمعًا تكون أفضل و أجمل .
الأزواج يتكلمون
الأزواج بدورهم كانت آراؤهم مختلفة و مسوغاتهم عن الملل أيضًا مختلفة ؛ فالرجل كالطفل إذا شعر بالملل فهذا الأمر قد يدفعه بعيدًا عن حدود البيت ، ربما إلى الخيانة أو إلى الزواج بأخرى .
حاتم فهمي ( طبيب ) يري الأمر من وجهة نظره قائلاً : إن السبب في أن يسود الملل حياة الزوجين هو الروتين القاتل ، فالملل إحساس طبيعي يعتري البشر سواء كانوا في علاقة الزواج أم لا ، و لكن ربما يزداد الأمر خطورة في علاقة الزواج ؛ لأنها علاقة أبدية ، فالزوج عادة والزوجة أيضًا يكون لديهما توقعات تجاه الطرف الآخر بأنه سيرسم حياة وردية له ، و سيكون الطرف الآخر هو مصدر التغيير والتجديد في الحياة في كل شيء ، و لكن مع تعقيدات الحياة ، و تزايد المسؤوليات يومًا بعد يوم ، تتبدل الصورة و تخيب توقعات كل طرف ، لظروف خارجة عن الإرادة ؛ و في تصوّري هنا يأتي دور الزوجة في المقام الأول لتجديد مياه الحياة الزوجية الراكدة ، و لا بد من مساندة الزوج و وجود مبادرات إيجابية منه حتى لا تشعر الزوجة أنها الوحيدة المسؤولة عن ذلك .
و يلتقط إيهاب ( محامي ) طرف الحديث مؤكدًا على أن الزوجات بأيديهن يضيعن أزواجهن . مشيرًا إلى أن من أبرز أسباب الفتور الزوجي النكد الروتيني للزوجة ، والشكوى الدائمة ، والتذمر ، والمشاكل التي تثيرها بسبب و بلا سبب .
و يواصل إيهاب حديثه قائلاً : إن العلاقة الزوجية هي شراكة بين طرفين ، و أي خلل يطرأ على العلاقة سببه أيضًا الطرفان ، و لكن أحيانًا يقود القدر بعض الأزواج إلى زوجات يعشقن النكد ، و هذا هو حالي ، فزوجتي كانت ملاكاً بريئاً قبل الزواج ، و لكن بعد الزواج أصبحت عصبية ، و صراخ متواصل مع الأطفال ، و أصبحت هوايتها النكد ... و طبيعة عملي تفرض علي وجودي خارج البيت فترات طويلة ، و عندما أعود للبيت عدة ساعات أعيش نفس الحياة مع العصبية والصراخ والروتين اليومي من النكد ، في الإجازات أحاول تغيير الروتين بالتجديد والتغيير خارج البيت ، و لكن ترافقنا العصبية والنكد لأتفه الأسباب ، مللت زوجتي و مللت من حياتي الزوجية ، أصبحت أهرب من البيت ، و بكل صراحة تعرفت بامرأة أخرى ، هي زميلة لي في العمل ، و حاليًا أفكر جديًا في الارتباط بها ، أنا لم ألجأ للخيانة فسأتزوج على سنه الله و رسوله ... هل لديكم حل آخر ؟
الفتور ... مراحل عمرية
" إذا ساد الصمت في الحياة الزوجية فهذا مؤشر خطير لفتور العلاقة الزوجية ، و هو الطريق إلى الطلاق العاطفي" ... هذا ما استهل به الدكتور أحمد المجدوب ، المستشار الاجتماعي بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية ، قائلاً : إن الفتور في العلاقة الزوجية إحساس طبيعي للغاية و خاصة في ظل وجود طرفين يشتركان في كل تفاصيل الحياة اليومية ، و له أسبابه المتعددة في كل مرحلة من مراحل الحياة ، ففي بداية الزواج ربما ترجع الأسباب إلى اختلاف الشعور بامتلاك الطرف الآخر الذي كان بمثابة هدف ، فالإنسان عندما يظل تراوده الأحلام بامتلاك شيء ما ؛ يظل يسعى إليه بكل قوة ، و لكن بمجرد أن يملكه يشعر إزاءه بالملل ، والأمر ذاته ينطبق إلى حد كبير في العلاقة بين الزوجين حديثي العهد .
أما في السنوات الخمس أو السبع الأولى من الزواج ، فإن الملل يكون مبعثه عدم التوافق أصلاً بين الزوجين ، روتين الحياة اليومي ، عدم التجديد والتغيير ، الأعباء النفسية والهموم التي قد تؤثر على الزوجين بسبب ضغوط الحياة ، مما يؤثر سلبًا على العلاقة بين الزوجين فيدب الملل في أواصر الزوجين ، أما في المرحلة المتأخرة من العمر و بعد التحرر من مسؤوليات الأبناء ، هنا تكون الرغبة في التجديد أكبر و خاصة بعد مضي ما يربو على ( 15 أو 20 ) عامًا على الزواج ، حتى لا يكون الإحساس بالملل مضاعفًا ، و يلجأ الأزواج إلى الزواج بصغيرات السن كما نرى .
و يواصل د . المجدوب حديثه قائلاً : الخطورة في مسألة الملل الزوجي هي أن يسود الصمت بين الطرفين و تتراكم الهوة النفسية ، و يتفاقم الإحساس بالملل ، دون أن يصرح بذلك أي طرف للآخر ، و تصبح الحياة بينهما وكأنها تحصيل حاصل ، أو حياة زوجية تسير بقوة الدفع ... و من خلال التجارب الميدانية وُجد أن أحد أبرز الدوافع الأساسية لوصول الزوجين إلى حالة الفتور هو عدم إيجاد صيغة للحوار بين الزوجين ، و كأن الحديث عن الإحساس بالملل " عيب" ، على الرغم من كونه إحساساً طبيعياً ... و يحذر د . المجدوب من الصمت القاتل بين الزوجين الذي قد يدفع يهما إلى هاوية الطلاق أو العلاقات غير الشرعية ، و خاصة لدى الأزواج كنوع من البديل التعويضي للملل في البيت ، و يشدد على ضرورة تكاتف الزوجين معًا للتخلص من حالة الفتور في علاقتهما ؛ لأن كليهما مسؤول و منوط ببذل الجهد لاستمرارية الحياة بشكل متجدد .
ملل من نوع آخر