إلى التراب.... شَيعوني:
دخلت أمي كعادتها إلى غرفتي , لتيقظني من نومي , أيقظتني وكشفت عني الغطاء.
لكن ما بالها !! مصدومة تصرخ وتبكي , ما الذي حدث !!
ما بالي لا اشعر بما حولي , لا اقوي على الحراك أو حتى التنفس ,!!
أيقنت عندها أنني ودعت تلك الدنيا بجسدي وروحي...
لكن روحي لا تزال حولهم تشعر بهم وتراهم ,!
لا اسمع ولا أرى شيء سوى البكاء والصراخ والعويل .
هم يبكون ويذرفون الدموع ويانون أنين ما أدركته يوم في حياتي ..!
فانا اسمعهم فروحي تناجيهم !
تلك تنظر لي وتبكي وأخرى تصرخ , وهذا يقرا القرآن وذاك يضع يدا فوق أخرى ويتلفظ بتلك العبارات التي سمعتها كثيرا !!
(" الله يرحمها , إنا لله وإنا إليه راجعون ,")....
كل هذا وأنا شاهدة على نفسي أثناء موتي ...!!!!!
بعد هذا وكله ,,,مابهم!!!!!
غسلوني ..!!
كفنوني ولفوا حول جسدي هذا اللباس الأبيض ..!
هم يبكون وينحبون ...!
لكنني أنا فرحه فلقد ارتحت منك أيتها الدنيا الحقيرة ! فلتذهبي ولتهنئي بتعذيب ضحية وفريسة أخرى من ضحاياكِ..!
ها أنا في وسط الغرفة لا انبث ببنت شفه ...!
عيناي مغلقتان ووجهي ابيض كالثوب الذي كفنوني به ..!
ارتعش جسمي عندما سقطت دمعه من دموع أمي على جسدي ...كم تمنيت عندها أن أضع يدي على وجنتيها وامسح بيدي تلك الدموع .....
انهمرت دموعها على وجهي ودعتني وقبلتني بعنف ,,,تبكي وتصرخ ,,,!!!
أماه لا تبكي أرجوك لا تحزني أرجوك ,,,فلنا لقاء !!!!
مضت ساعات ...
تلك تدخل لتقبلني , وتلك تدخل لتلو آيات من القرآن على روحي , ذاك يبكي , وهذا يدخل لينظر إلى من كان بها الروح قبل ساعات ...وكيف صار حالها الآن ..!!!!
أطفال حول المكان ,,,يركضون ,,,,ويلهون,,, وتارة يبكون ..!!!!!
تلاوة القرآن ...
هذا هو الشيء الوحيد الذي لم ينقطع عن مسمعي ولم يفارق أذني طوال الوقت..!
صاح المؤذن
الله اكبر ,,,الله اكبر
حملوني ...نعم حملوا جسدي ووضعوني بهذا الشيء الأخضر انه " التابوت" أغلقوه علي وحيده ...أبقوني بداخله ....ضاق نفسي به !!!!!!
مروا بي على أمكنة ترعرعت بها , على حارتي , على الشارع من أمام منزلنا,
بدأت أودعهم .....بضحكاتهم , بدموعهم ,, بكل إحساس ,,!
تذكرت عند هذا الشارع كنت اجري بالأمس , كنت ألهو واضحك وابكي لأتفه الأسباب ,,,تذكرت طفولتي بكل ما تحمله من برائه وشقاوة وطفولة!!!!
آهِ منكم
تمهلوا فلم أودع كل شيء ,,,تمهلوا لم أودع كل شيء ...!!!!!!!!!!!!!!!!!!
لحظات السكون والهدوء وقول الله وذكره لا تنقطع من هذا المكان ...حتما أنا في المسجد ,نعم انه هو ...!
يا الله كم هو مريح كم هو عظيم هذا المكان يبعث الأمان بالروح !
دعوني هنا!!!!!!!
تعالى صوت الشيخ من حولي وهو يخطب على جسدي من أمامهم ....
وقال: :" الله اكبر "
كم تمنيت لو أنني حينها اخرج من هذا التابوت الأخضر الضيق على صدري ...لأصلي على نفسي آخر صلاة .!!
حملوني مرة أخرى ومشوا بي قليلا وضعوني بتلك المركبة البيضاء التي كنت عند ما أراها اقل لنفسي اللهم ارحمنا وأحسن ختامنا ..!
المكتوب عليها
" كل نفس ذائقه الموت " "إنا لله وإنا إليه راجعون "
مرة أخرى حملوا تابوتي نعم تابوتي الأخضر ,,ومشوا به قليلا,,
رأيت من هم قبلي من الناس المدفونون المغطون بالتراب ..لا يذكرهم احد إلا عند العيدين ..بقراءة الفاتحة ..!!!
مسكوا جسدي ووضعوني بتلك الحفرة رويدا رويدا ... مع عبارات
:"لا اله إلا الله , الله يرحمها , وإنا لله وإنا إليه راجعون "
وضعوني وحيدة ...
ساودعك يا أبي يا حبيبي...بدأو برمي التراب على جسدي ,,لكنني لا زلت أرى والدي ,,فهو يبكيني ويقرا القران ..سقطت دموعه إلى جسدي من تحت التراب ...كم أنا حزينة لأجلكم يا أمي ويا أبي...
لم اعد أرى شيء سوى التراب ..لم يعد معي شيء سوى قطرات من دموع أمي على وجهي ...وقطرات من دموع أبي على جسدي...وأعمالي التي ستشهد على نفسي عند السؤال!!!!
سبحان الله(منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى)...
لم اعد ارى شيء سوى التراب...
لكنني اسمع ...
سمعت صوت أبي وهذا أخي وذاك من أقاربنا ...ما زالوا يبكون ويقرءون على روحي القرآن..
أتى الشيخ وتحدث معي من تحت القبر.!
وقال لي::::
إن جاءك ملكين قولي هذا::
الله ربي
والإسلام ديني
ومحمد صلى الله عليه وسلم نبيي ورسولي ..!
وأكمل حديثه بتلاوة القران وذكر الرحمن..
ابتسمت له من تحت التراب وقلت بنفسي " اللهم آمين"
بعد وقت قصير لم اعد أرى ولا اسمع أي شيء ...
تركوني مع نفسي وحيدة تحت التراب ...تحت القبر انتظر ربي وملائكته ,,,!
فبعد هذا وكله ما يبقى لي إلا أن أقول:
" فلتتركوني لرحمة الله "
مما تصتفحت ونال اعجابى ...