السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
زواج الخطيفة... محرم ديني ......أم محرم اجتماعي درجت تسمية زواج الخطيفة بهذا الاسم شعبياً لأن الفتاة تقوم بهذا الزواج خارج الإرادة الأبوية ، و تضطر الفتاة إلى هذا الأمر عندما تحب شخصاً فلا يقبل به الأهل لأسبابهم المتنوعة إن ما تتصوره الأنثى في صباها وما تحلم به يتناقض كلياً مع حالة زواج \"الخطيفة\" فلا أعتقد أن الفتاة لم تحلم يوماً بزفافها (العرس، الفستان، الدبكة ، مباركة الأهل والناس ) . و بدلاً من الانتقال الطبيعي إلى حياة جديدة يصبح هذا الانتقال قسرياً ،وبدلاً من أن يكون توسعاً للعائلة يغدو صدعاً من الصعب تجاوزه و هكذا تحل أزمة الفتاة بأخرى ...... وإذا تتبعنا عوامل الأزمة الأولى التي تضطر الفتاة إلى الانسلاخ عن أسرتها ،نجد أمامنا مشكلتين أساسيتين أولهما: مشكلة عامة وهي مشكلة قبلية ،بمعنى أن عقلية التفوق القبلي سواءً مثلتها الطائفية ،العشائرية ،المناطقية ،العائلية ،هي العقلية المسيطرة على غالبية مجتمعنا السوري. قد لا تعاني الفتاة وحدها هذه المشكلة بل الشاب أيضاً ،ذلك أنه (هو أوهي ) سيقابلان رفضاً لدخول عنصر غريب إلىالسلالة الدموية ( الصافية !) ولأنه سيخرب بهذه الطريقة النسق المتجانس لأجيالٍ لم تختلط دموياً بالمختلف الغريب ، غريب مع أنه ينتمي إلى نفس الأرض و الأمة و نفس المصير .. فالانتماء إلى القبيلة هو الانتماء السائد و الذي يأخذ شكل دوائر مغلقة لا تتقارب مع غيرها من الدوائر اجتماعياً و ثقافياً ( إلا في حالات نادرة ) يبقى الترابط الوحيد هو بفعل الرابط الاقتصادي الذي ينتج بشكل ٍ تلقائي عن الحياة المشتركة في ارض واحدة . يتداخل مع آلية التفكير القبلي مشكلة أخرى تعود إلى التراتب المادي بمعنى أن العائلة الأفضل ليس بالضرورة متفوقة دينياً وإنما مادياً، وهذه الحالة هي أكثر الحالات التي طرحت في وسائل الأعلام ,والتي لم ينج منها محدثو النعمة الذين يترفعون عن محيطهم الأول ليتساووا ويمتزجوا مع السوبر طبقة ضمن شرط محيطهم الأول الديني , لكي ليخسروا مكانتهم الاجتماعية المرموقة ثانيا: مشكلة خاصة بوضع المرأة في مجتمعنا كتابعة, فهي كيان جزئي ليس لها حضورها الإنساني الذي يتيح لها ان تختار بنفسها . وفعليا لا تستطيع اتخاذ قرار مصيري كالزواج بعزل عن ارادات جماعتها وقراراتهم بدليل الكلمة العفوية التي يقولها الجميع (هل تعطيني ابنتك ) ؟ أو أهلي (لا يعطوني ) !! وهكذا تحمل الفتاة بشكل خاص ثقل عقد مجتمعها بمجموع عاداته وأعرافه ومشاكله التاريخية والفروق الاقتصادية والأثنية والدينية الأزمة الأولى هي أزمة محرم اجتماعي , فهل استمد هذا التحريم إلى الدين ؟ توجهت بسؤالي حول هذا الموضوع إلى فضيلة الشيخ د محمد حبش , ويمكن تلخيص ما استفاض به بمحورين :الرأي الفقهي بزواج الخطيفة ودور الوالي ,والمحور الثاني : المراجعة في النظر الى إرادة الفتاة في هذا الموضوع .المحور الأول :1-لزواج الخطيفة رأيان في الفقه الإسلامي : رأي جمهور الفقهاء ويشترط وجود الوالي في عقد النكاح والرأي الثاني هو موقف متسامح للإمام أبي حنيفة في إمكان عقد المرأة البالغة نكاحها بنفسها بدون وليها وينعقد النكاح صحيحا موقفا على إجازة الولي , ولا يكون لاعتراضه هنا أثرا قانونيا إلا إذا اثبت بالدليل المادي أن الزوج غير كفء لها .2- يرى فضيلة الشيخ أن زواج الخطيفة انتهاك للشريعة الإسلامية من وجهين الأول غياب الولي وفق مذهب الجمهور وتفويت حقه في الاعتراض على الزوج غير الكفوء وفق رأي الحنفية . ومن جانب آخر فان العادات في الفقه الإسلامي محكمة والمعروف عرفا كالمشروط شرطا ؟ 3-التوصيف الشرعي له انه عقد فاسد بمعنى انه ليس زنا وإنما هو عقد غير مستوفي لشرائطه , يقبل التصحيح بموافقة الولي وفق مذهب الحنفية . 4-المفتى به أن المرأة إذا تزوجت بغير كفؤ وقع العقد فاسداً ولو رضي الولي. ويصح إذا ثبتت كفاءة الزوج. 5-الاعتراض على زواج الخطيفة لا يعتبر بأي شكل من الأشكال تسويغاً لممارسة الجريمة ضد طرفي النكاح من قبل بعض الطائفيين المحور الثاني : 1. زواج الفتاة بغير إرادتها مأثمة وحرام ومخالفة واضحة لسنة النبي (ص) . توجيه النبي الكريم (ص) في النكاح واضح في وجوب اعتماد رأي الفتاة وعدم إكراهها مهما اتخذ هذا الإكراه شكلا ولونا سواء اتخذ شرطا اقتصاديا أو طبقيا أو مذهبيا . بحيث يلغي إرادة الفتاة به فإنه يعتبر انتهاكا للشريعة. إذا الولي والفتاة يمكن أن يجورا على بعضهما , وأعتقد أنه توجد إمكانية ألا يحدث هذا إذا بدأت الأمور بأخذ إرادة الفتاة بعين الاعتبار كي لا تصل إلى باب مغلق فتحه لها الدين بشرط الكفاءة . (ويرى فضيلته أن الخطاب الإسلامي مدعو إلى التطوير والتحديث بحيث تدرك المتطلبات الحقيقية لقيام الأسرة المتماسكة ,كما يرى أن المطلوب أيضا ممارسة التوعية الدينية بهذا الشأن , فالدين جعل الدور المحوري في عملية الزواج للفتاة والفتى ,ويمنح الأهل دورا تكميليا , ويروي فضياته موقفا فريدا لأسماء بنت زيد بن السكن التي جاءت إلى النبي (ص)وقالت : يا رسول الله إن أبي زوجني من فلان ليرفع بي خسيسته ,فقال لها (ص)قد جعلت الأمر إليك ,فوقفت الفتاة وقالت في الناس :إني قد أجزت ما صنع أبي ولكني أردت ان تعرف النساء انه ليس للرجال من أمرهن شيء.. ويكبر الحبش هذا الموقف ويرى انه لا يمكن أن ينسجم مع التقاليد التي مضت إلى استلاب إرادة المرأة خيارها شريك حياتها .) هل يمكن أن تدفع الفتاة حياتها ثمنا لقرارها حدثتني صديقتي التي تعمل في ريف المنطقة الوسطى عن قصة فتاة بادلت الحب زميل أخيها المهندس , لكن أهلها فرضوا عليها الزواج باحد أبناء المنطقة الذي يقل عنها علما , ولما لم تجد خيارا تزوجت حبيبها \"خطيفة \" ورحلا إلى الحسكة . بعد عام استدل أهلها إلى مكانها فلحق بها أخوها ( المهندس) وقتلها على باب بيتها . الرغبة في الثأر من هذه الفتاة أو غيرها يدخل في بند دافع الشرف . وتروي المحامية \" ماغي دقاق \" في مقالة \" القتل لدافع شريف \" (مجلة نون النسوة / غير دورية / آذار 2003 من ص 18 –ص 21) هذه القصة : \" قتل عماد شقيقته جميله قصدا بسبب هربها مع خاطفها قبل فترة من زواجها منه , ثم جرى الصلح بين العائلتين , ولما أقدم عماد على قتل شقيقته المغدورة كان تحت تأثير فعلها الذي قامت به , وهو ذهابها مع خاطفها وزواجها منه دون رضا أهلها , وبدون علمهم , فاعتبرته المحكمة حادثا له مساس بالعرض والشرف , وجاء الاجتهاد مستقرا على القاعدة رقم 1949 من مجموعة القواعد القانونية في القضايا الجزائية وهي زواج المغدورة \"بمن اعتدى عليها؟!\" لا أثر له على مفاعيل الدافع الشريف في قتلها , أي أن زواج ( الخاطف ) بشقيقة المتهم لا يزيل الدافع الشريف (؟) كما أن الصلح لا يمحو الشعور والإحساس بالعرض ولا يزيل العار الذي خلفه فعل المغدورة تروي الشابة سعاد موسى (20 عاماً) قصة زواجها قائلة: (خطبت ابن خالتي الذي أحببته كثيراً والذي وافق عليه أبي ولكن أمي لم توافق لاختلافها مع خالتي ولرغبتها في تزويجي من رجل ثري من أجل تأمين مستقبلـي بحسب رأيها. استمرت أمي في اثارة المشكلات بيني وبين خطيبي كي نتخلى عن بعضنا حتى قررنا ان نتزوج خطيفة. وهكذا مر علي ابن خالتي ليلاً و(كللنا) بعيداً من أهلي وعشنا نحو سنة من دون رؤيتهم. حاول اقربائي في ما بعد ان يوفقوا بيني وبين أهلي فصفح عني أبي أما أمي فلم تفعل). أما في حال اختلاف الدين بين العروسين, فإن نتائج زواج الخطيفة غالباً ما تكون مأسوية. يروي تمام ديب قصة مأساته قائلاً: (أحببت صديقتي في الجامعة كثيراً. لكن اختلاف الدين كان عائقاً فهي تنتمي الى الطائفة المسيحية. ولم يتقبل أهلي أو أهلها الموضوع. فاتفقت أنا وإياها على الهرب والزواج بعيداً. بعد أيام, استيقظنا صباحاً على قرع الباب, وإذ بأخيها الصغير الذي يبلغ من العمر اثني عشر عاماً, يدخل مسرعاً إلى داخل البيت ويفرغ بندقيته التي كان يحملها بجسد أخته. كان أهلها طبعاً هم من حرضوه. لن أنسى هذا المشهد ما حييت ولن أغفر لهم. طبعاً لم يحاكم أخوها كما يجب لأنه حدث وأدخل سجن الأحداث. وتدرج جريمته في إطار جرائم الشرف). وهناك الكثير من القصص والمآسي لكنني سأكتفي أخوتي إلى هنا
ارق تحياتي
* سود العيون *