
مشاهدينا الكرام اسعد الله اوقاتكم ها نحن من جديد على موعد جديد من برنامجكم اليومي *في رحاب الله* موضــــــــــوع اليوم وهو:
كلنا طبعا قرأنا هده الاية الكريمة و تسالنا منا من بحث فبلغ المراد ومنا لم يبحث فها نحن اليوم نضعها بين متناولكم لعلكم تستفيدون وماتحرموني من دعائكم. حلقة موضوع اليوم سيكون في حلقتين.
نبدأالموضوع.

{ثم عرضهم على الملائكة, فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء},
من هم هؤلاء؟؟؟
صلاح الدين ابراهيم أبو عرفة
إنها سورة البقرة, وفاتحة العلوم والأحكام, وفيها ما فيها من الإشارات لأول الخلق والتكوين, وفيها بانفراد, نبأ الساعات الأولى التي سبقت القرار بآدم, ذلك الحدث الحاسم الذي نمر عليه هكذا, دون واجب تفكير لائق.
ذلك أن القرار كان أول ما كان, من الله, وكان هذا بذاته كافيا أن نقف عنده لنسأل: لِمَ؟!
وهذا سؤال المؤمن بربه وحكمته وتدبيره, لا سؤال المنكر الجاحد, {أليس الله بأحكم الحاكمين}؟.
لنرجع إلى مبدأ سؤالنا, ولنقل أسئلتنا!.
- {إني جاعل في الأرض خليفة}. فلماذا الأرض, ومن للسماء؟
- {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة, فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء}, من هم هؤلاء الذين عرضهم؟
- {أنبؤني بأسماء هؤلاء, إن كنتم صادقين}, ماذا ادّعى الملائكة حتى يُدعَو إلى بينة صدقهم؟, ثم إن سياقها البشري-أي لو كنا نحن المتكلمين- أن تكون إن كنتم تعلمون؟.
- {فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والارض, وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}, ألم يشاهد الملائكة من قبل من قدرة الله ما يثبت العلم لله, ما هو أعظم من سرد آدم لأسماء هؤلاء, فماذا وراء هذا السرد من آدم, وهذا الاثبات الآن من الله؟.
- ثم ماذا كان الملائكة يكتمون, وهل كنا نظن أن الملائكة تكتم في أنفسها شيئا؟.
ماذا تقول كتب التفسير؟
قبل أن نجيب, نمرّ على ما وصلنا من أقوال المفسرين من قبل, وسبق وقدمنا أن هذه الأقوال لا تعدو محاولات من أصحابها -جزاهم الله خيرا- لفهم نص الكتاب, ما لم تتصل بسند إلى النبي المعصوم محمد عليه الصلاة والسلام, ولا تصل بحال لتتعلق بذات النص فتتلبس فيه, ويصبحا سواءً, فكلام الله شيء, ومحاولات التأويل شيء آخر, لا يحق لأحد أن يحملنا عليه.
وجمهور المفسرين على ما ينسب إلى ابن عباس رضي الله عنهما, من أنها أسماء الأشياء كلها, حتى القصعة والملعقة, فهي عندهم أسماء المخلوقات كلها, ما كان وما سيكون!.
ومنهم من ذهب إلى أنها أسماء الملائكة, أو قد تكون أسماء النبييين من ذرية آدم!.
وسبق وقدمنا من قبل في مقدمة لا بد منها, وحول الموقع, أننا في هذا الدين لا ندين لـقد, وقيل, وذهب فلان إلى كذا. فما لم يقل به النبي محمد عليه الصلاة والسلام فليس بدين, بل هو قول وحسب, لنا أن نؤمن, ولنا أن لا نؤمن. فيما الله يرى إن كنا نتتبع البينة والهدى, أم نلحد فيه!.
قول الجمهور لا يتفق مع ظاهر النص وعرض السياق!.
إذا تفكرنا في قول الجمهور المنسوب إلى ابن عباس رضي الله عنهما, اعترضنا كثير من التساؤل والاضطراب.
أولها: أن ضمائر الخطاب, لا تتحدث عن جمادات, أو مخلوقات مطلقة, {ثم عرضهم}, {أنبئوني بأسماء هؤلاء}, {أنبئهم بأسمائهم}, {فلما أنبأهم بأسمائهم}, فلو كان تأويل الجمهور صحيحا, لكانت الآيات هكذا: وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضها على الملائكة, فقال أنبؤني بأسماء هذه إن كنتم صادقين.... قال يا آدم أنبئم بأسمائها, فلما أنبأهم بأسمائها..!.
فمن منا يعرض ألف قصعة, ثم يقول: احصوا لنا هؤلاء القصاع؟.
وحتى إن كانوا مليار إنسان, ومليار دابة, ومليار قصعة, ومليار نبتة, فلا يستوي البتة أن يشير أحد إليها جميعها فيسألنا: من هؤلاء؟, وهو يريد الجميع المنظور. فلا يحسن أن تدخل الدواب والنباتات والجمادات تحت هؤلاء!.
هذا إلى جانب اضطراب التأويل مع سياق الموضوع, وارتباطه بما قبله وما يليه من المبنيات والمتتاليات على ما جرى بعدها. فلا يعقل أبدا أن الملائكة لا تعلم من المعروضات شيئا, وهي لتوها تقول: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}, فالأرض, وما فيها, والدماء ومن سفكها ومن تسفك منه, كانت معلومة عند الملائكة, فليس أقل من أن تجيب عما تعلم, وتمسك عما لا تعلم. وإلا صار قولها: {لا علم لنا} كذبا محضا!.
ثم أن كانت الاسماء كلها, تجمع الاشياء كلها, كما يروي المفسرون, لوجب أن يكون الملائكة المسئولون ضمن هذه الاشياء نفسها, ولوجب عليها أن تعلم أسماء أنفسها هي, ولا يقبل بعدها أن تقول: لا علم لنا!.
إلا أن يكون ما بدا للملائكة مما عرض عليهم شيئا لا تعلمه البتة ولم تره من قبل, فما هو, وماذا يكون؟!.
ولا يبعد أبدا, بل والأولى أن يكون آدم عُلّم أسماء ما قد يخطر له في معيشته وأمره, ليتخاطب بها من بَعد {علمه البيان}, ولكن أن يكون علّم أسماء كل الأشياء ففيها نظر!, إذ قد نبتدع للتو شيئا ما, ثم نبتدع له إسما ما لا أصل له, فما لآدم في هذا الاسم؟. وإن كان آدم تعلم ما رآه وما سيراه وما لن يراه, فما فائدتها لنا نحن, إن سميناها بغير اعتماد على ما عند آدم؟.
أما الآية التي نحن بصددها {وعلم آدم الأسماء كلها}, فيظهر أنه شيء عظيم آخر, استنفر الملائكة, واستثار حماسها وتنافسها, فما هو؟.
وإذا رفضنا التأويل القديم لاضطرابه مع السياقين السابق واللاحق, وجب علينا نحن إن تقدمنا بفهم ما, أن نأتي بتأويل مضطرد يسد خلل اضطراب التأويل الأول. فأيما فهم مطروح, وجب أن يأخذ بأطراف السياق والدلالات والمقاصد, ليشدها جميعا بعضها إلى بعض, لنخرج بصورة متسقة من أولها إلى آخرها.
كيف نفهمها إذا؟.
فالآيات من أول السورة, جاءت لتفصل بين المؤمنين وبين الكافرين, بين المصلحين والمفسدين في الأرض, وتلكم هي مناطات الاستخلاف في الأرض, {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون, إلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون, وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء}. فهذه هي المرتكزات والاصول الأولى, من سيؤمن ومن سيكفر!
ثم تسترسل الآيات حتى تصل إلى {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم, ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون, هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم, وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}, فانسياب السياق ابتداء من الإيمان والكفر إلى الاستخلاف في الأرض جلي لِعيان.
ثم ما تلبث القصة أن تصل إلى هذا المعقد الأول مباشرة بعد هبوط الفريقين الضدين إلى الأرض ليوصي الله بهذا المعقد الأصل مرة أخرى {قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم من هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون, والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فؤلئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.
ومن أجل أننا لا نرى المفسرين يبنون موضوعا موحدا لتأويل مشكل ما, فأن يقول أحدهم في معرض تأويله لأسماء هؤلاء: هي أسماء الأشياء, ثم لا يبني ما يرى على السياقات والمباني المشتركة للسورة نفسها, أو يقول: هي أسماء النبيين, هكذا دون بناء موضوعي, ولا إسناد دلالي, يشد مذهبه ويقنع سامعه, بل قول بظن وحسب, فهذا ما لا يصلح أن يكون تأويلا, مهما علا شأن قائله من دون النبي.
فمن هذا الباب نلج أية الاستخلاف, وبهذا المفتاح نفتح مكامنها, ونحن مطمئنون مستندون إلى شديد, إلا وهو السياق الموضوعي الذي لا يخلو منه كلام الناس, عدا أن يخلو منه كلام الرب الحكيم.
عود على بدء
{إن كنتم صادقين}, وماذا كانت دعوى الملائكة التي تلزمهم بينة الصدق؟
الملائكة بنص الآية ادعوا ادعاءين, {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}, وهذه هي الاولى, ثم {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}, وهذه الثانية.
أما الأولى فما جرى بعد هبوط آدم إلى الأرض كان بينة على صدقهم, إذ ما لبث أن سفك ابن آدم دم أخيه, فكتب الله {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض}, فها هو السفك, وها هو الإفساد, فهذه مضت وبان صوابهم بها.
وأما الثانية, فهي معقد الحدث والحديث, {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}, {لك}؟!, وفيها ما فيها من الاختيارية والانتقائية من العابد للمعبود, فهل كان هناك أمام الملائكة عرض آخر أو رب آخر –تعالى الله- لتختار الملائكة أن تسبح لك دونه؟ ولواكتفت الملائكة بذكر الفعل نفسه لكان قولها صوابا عادلا, أما لك, فهذه ما أوجبت النظر, واستلزمت السؤال!.
فالملائكة بالإجماع لا تعصي الله, وهي لا تطيعه باختيار, بل هي مفطورة على الطاعة لله, ولذلك ليس لها ثواب ولا عقاب, ولو كانت مختارة لجوزيت على اختيارها. {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}.
ومن أجل فطرتها على التوحيد لله, وأن ليس في علمها غير الله لم تحر جوابا, {سبحانك, لا علم لنا إلا ماعلمتنا}, وهؤلاء, ليسوا مما نعلم!.
فمن هم هؤلاء؟.
قبل أن نبدأ بـهؤلاء, نلفت أن الله عقدها على أسماء هؤلاء, ولم يقل أنبؤني بهؤلاء, بل المطلوب هو الاسماء, فالاسماء وهؤلاء هما عقدة الجواب.
الأسماء وما أدراك ما الأسماء!
الأسماء في القرآن بهذا الذكر الصريح لم ترد إلا في اثنتين, إما بما يراد به الله الأوحد {ولله الأسماء الحسنى}, وإما بما يراد به الأنداد وما يعبد من دون الله عموما.
والملائكة لا تختار, ولهذا لم يعلموا أسماء هؤلاء, أما المخلوق الجديد, فخلق يختار, وحتى يختار, فله عند الله أن يفطر فيه ويعلمه الخيارين ويهديه النجدين, ثم يسأله ربه ما يشاء, ليختار هو بعدها ما يشاء!.
وكما ذكرنا آنفا, فالأسماء في كتاب الرب لا إله إلا هو, واحدة من اثنتين, إما أسماؤه هو, أو أسماء الأنداد التي يتخذها الكافرون المختارون لأفعالهم الذين افتتحت السورة عليهم وعلى نقيضم من المؤمنين.
فالأسماء الحسنى التي لا تنبغي إلا للرب الأوحد لا إله إلا هو, ذكرت في الكتاب أربع مرات, في الأعراف, وفي الأسراء وفي طه وفي الحشر, وقصة آدم حاضرة صراحة في الثلاثة الأوَل منها.
أما أسماء الأنداد –تعالى الله عن الند والشبيه-, فهي في الأعراف كذلك أولا, وهذا وحده محل إشارة والتفات, أن تجتمع الأسماء وتذكر أول ما تذكر بضديها, في المحل الواحد, وفي السورة التي تتحدث بالذات عن الفرق بين الفريقين من المؤمنين والكافرين!.
وجاء الذكر على لسان هود {أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم}, وفي يوسف {ما تعبدون من دون الله إلا أسماء}, وفي النجم {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم}.
ولا عجب نجد الآيات القليلة التي تسبق هذا الحدث العظيم من سورة البقرة, تنفّر وتحذر من عبادة الأنداد, راجعة بالناس جميعا بفريقيهم إلى أصلهم الأول وآبائهم الأولين,{يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون, الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم, فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون}. وآية الخليفة هي الآية التاسعة من عند هذه الآية.
....... يتبــــــــــــــــع........

