ومن العلماء من قال : لا بد لكل يوم من نية خاصة به .
وعموماً فالذي ينبغي أن يعيه المؤمن ويتفهمه والذي يمكن جمعه من أقوال العلماء أن المسلم لو لم ينوي الصيام كل ليلة ، فهو بأكله لأكلة السحر وإعداده للسحور استعداد للصوم كل ذلك قائم مقام النية ، لأنه لا يفعل ذلك إلا وهو عازم على الصوم ، وهذا العزم هو النية كمن توضأ لصلاة الظهر مثلاً ، فهو في نيته أن يتوضأ لأداء صلاة الظهر ، فلو صلى الظهر وبقي على طهارته حتى صلى العصر والمغرب والعشاء فلا يجب عليه تجديد نية الوضوء للصلوات الأخرى بل تكفي النية الأولى في الوضوء وهي رفع الحدث من أجل أداء الصلاة والصلوات ، والله تعالى أعلم .
ومن قالوا بأنه لا بد لكل يوم نية ، عللوا بأن كل يوم عبادة مستقلة .
ومن قالوا تكفي نية واحدة للشهر كله ، عللوا بأن ما يشترط فيه التتابع تكفي النية في أول ما لم يقطعه لعذر فيستأنف النية .
والأصح في ذلك أنه تكفي نية واحدة للشهر كله لما عللنا به سابقاً ، ولأن المسلمين جميعهم لو سئلوا عن صيام الشهر ـ شهر رمضان ـ لقالوا جميعاً أننا نوينا صوم الشهر كله من أول يوم حتى آخر يوم ، ولأن ذلك أرفق بالمسلمين ، لأنه لو كان لكل يوم نية خاصة به ، لوقع الكثير من الصائيمين في ضيق وحرج ولكثرت الأسئلة والاستفسارات عن النية ووجوبها وحكم تعيينها ، مما قد يضطر الكثير من ضعفاء الإيمان وجهلة الناس بالفطر في رمضان بغير سبب ولا مسوغ شرعي ، لا لشيء إلا لأنه لم يبيت النية لذلك اليوم ، فتحصل بذلك مفاسد عظيمة وعواقب وخيمة فكان الأرفق بالمسلمين والأسهل لهم أن نية أول الشهر كافية للشهر كله ، وهذا القول تطمئن له النفس وتستأنس به ، وذلك لأن الإنسان لن يقوم من أجل السحور أو لأداء صلاة الفجر أو يأكل قبل أن ينام إلا وهو في نيته صوم يوم الغد أياً كان ذلك اليوم .
ولكن لو قلنا أن النية تجب لكل يوم ، فقد ينام إنسان في رمضان بعد العصر ولا يستيقظ إلا بعد الفجر من الغد ، فعلى ذلك لم يصح صوم ذلك اليوم لأنه لم ينوه ، وعلى القول الراجح صومه صحيح لأنه نوى الصيام من أول الشهر وكفى ذلك ، فبذلك يتضح صحة هذا القول ، والعلم عند الله تعالى .
تعيين النية :
وهذا أمر اختلف فيه العلماء أيضاً وهو ما ذكره الوزير بن هبيره بقوله : " واختلفوا في تعيينها ـ أي النية " [ الافصاح 3 / 85 ] والمقصود بتعيين النية : أي أن ينوي أن ذلك الذي سيصومه هو من رمضان ، أو عن كفارة أو عن نذر ، أو عن قضاء رمضان أو ما شابه ذلك .
ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " إنما لكل امرئ ما نوى " [ متفق عليه ] .
وقوله صلى الله عليه وسلم : " من لم يُجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له " [ أخرجه أبو داود والنسائي والترميذي بسند صحيح ] .
وقال صلى الله عليه وسلم : " من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له " [ أخرجه النسائي والبيهقي وهو صحيح بما قبله ] .
وتبييت النية مخصوص بصيام الفريضة دون النافلة ، فالنافلة يجوز أن ينويها الإنسان من النهار قبل الزوال وبعده وله أجر ذلك من حين نواه بشرط عدم وجود المفطرات قبل النية لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيها في غير رمضان فيقول : " هل عندكم شيء ؟ وإلا فإني صائم " [ أخرجه مسلم ] فدل ذلك على وجوب تبييت النية قبل الفجر في صوم الفريضة دون النافلة .
والأفضل : الصوم بنية معينة مبيته للخروج من الخلاف . [ الموسوعة الفقهية 28 / 24 ] .
وقت النية :
الحنابلة والشافعية : يرون أن وقت النية للصيام جميع الليل ، أي من بعد غروب الشمس إلى قبل طلوع الفجر ، فكل ذلك الوقت وقت للنية . ودليل ذلك الأدلة السالفة الذكر .
وهذا إذا كان الصوم فرضاً ، أما إذا كان الصوم نفلاً فيجوز أن ينويه في أي وقت من الليل أو النهار لحديث عائشة السابق .
فوائد مهمة تتعلق بالنية :
1- من ترددت نيته في الصوم فسد صومه ، فإن قال : أنا صائم غداً إن شاء الله متردداً في صومه ، فإنه لا يصح صوم ذلك اليوم حتى ينويه جازماً به أو تعليقاً بالمشيئة لتحقيق مراده ، ويكون ذلك قبل الفجر ، وإلا فسد صوم ذلك اليوم .
يتبع