كاميليا جبران
مغنية وملحنة فلسطينية، وُلدت في قرية الرامة الجليلية. بدأت كاميليا الرحلة مبكراً جداً منذ ولادتها
عام 1963 في بيت لعائلة فلسطينية بالجليل، وكان والدها “إلياس جبران” معلم الموسيقى وصانع الآلات الموسيقية أستاذها الأول، الذي أخذت عنه الألحان والأغاني العربية الكلاسيكية، إلى جانب تعلمها العزف على العود والقانون، وإجادتها لمهارات الغناء العربي بمساعدة صوت قوي وعريض وذي شخصية مميزة .
تأثرت كاميليا لاحقاً بالتجارب الموسيقية لأسماء مثل “أحمد قعبور”، “مارسيل خليفة” و”الشيخ إمام عيسى” وغيرهم من أصحاب التجارب الغنائية الوطنية المتميزة، في وقت زاد فيه وعيها بهويتها كفلسطينية عربية تعيش على أرض محتلة، وتحمل جواز سفر إسرائيلي .
في أوائل الثمانينيات أصبحت كاميليا المغنية الرئيسية لفريق “صابرين” الذي أسسه الموسيقي الفلسطيني “سعيد مراد” في القدس المحتلة، وطوال عشرين عاماً كانت تجربة “صابرين” إحدى أهم التجارب الغنائية العربية المعاصرة، والتي كانت كاميليا عموداً رئيسياً بها غناءً وتلحيناً وعزفا .
تخطى الفريق بألبوماته الأربعة المفهوم التقليدي للأغنية الوطنية، باختيارات مميزة لمجموعة من الشعراء الفلسطينيين الكبار أمثال “محمود درويش”، “سميح القاسم”، و”فدوى طوقان”، وشاعريْن من مصر ولبنان هما “سيد حجاب” و”طلال حيدر”، صاحبت أشعار هؤلاء موسيقى غنية وبسيطة، بها من الطرب غير المفتعل على قدر ما بها
من التجديد، ولم يحاولوا في الوقت نفسه كسر عنصر اللحن ، بل حافظوا عليه بسيطا مستساغا .
استلهمت أغانيها وطن في وجهه لإنساني، بعيداً عن الحماسيات والمارشات المعتادة، ورغم تأثر التجربة بظروف أصحابها الشخصية كغرباء في وطنهم، وأبناء أمة مجروحة في زمن صعب، إلا أن التجربة حملت روحاً أكثر عمومية تعطيها عمراً أطول، ولم تتشبث بالتفاصيل الآنية والأحداث المحدودة .
عام 2002 انتقلت كاميليا للعيش في سويسرا بالصدفة، بعد حصولها على منحة لمشروع فني هناك، حيث بدأت تجربتها الفنية المستقلة، مدعومة بكل خبراتها وتجاربها السابقة، كمغنية وملحنة وكفلسطينية أيضا !
"وميض” اسم الألبوم الذي أصدرته كاميليا جبران في سويسرا عام 2005 ،بالتعاون مع موسيقي سويسري متخصص في الموسيقى الالكترونية هو “فيرنر هاسلر”. هذه المرة خرجت كاميليا تماماً من عباءة “صابرين”، بل ومن أي عباءة أخرى في الغناء العربي، لتبدع تجربة غنائية خاصة بها ومختلفة تماماً شكلاً ومضمونا .
اختيارات النصوص كانت بداية الثورة. بنصوص شعرية ونثرية لجبران خليل جبران، بول شاؤول، فاضل العزاوي، وعائشة أرناؤوط، و اليوناني ديمتريس أناليس، صاغت كاميليا شكلاً جديداً لأغنية عربية خارج القوالب التقليدية للأغاني العربية شعراً ولحناً، كاسرة قيود الوزن والقافية – إن اعتبرناها قيوداً – ومستعيدة روح الموّال وأشكال الارتجال، مع وجود الإيقاع الداخلي المتغير كأنفاس شخص يجري بسرعات مختلفة أو شخص تعتريه مشاعر متباينة في الوقت نفسه .
(لغربة في الوطن والمدينة والإنسانية، الاختلاف والقهر، الهروب والشتات وأحلام العودة، التغير عبر سنوات العمر، التواصل مع الناس ومع نظام الكون)، مجرد أمثلة لعشرات التفاصيل التي تمتلئ بها أغاني الألبوم، أغاني ليست بسيطة في معانيها قياساً بتجاربها السابقة، ومعاني انفعلت بها كاميليا عبر النغمات والأداء كما ينبغي .
بصوتها الفذ وعودها الوحيد وخلفيات الموسيقى الالكترونية للسويسري “هاسلر”، خرجت موسيقى “وميض”. الموسيقى أجدها متسقة جداً مع روح الأغاني، بتعبيرها الصريح عن كل هذه المعادن والأسلاك التي تملأ تفاصيل حياتنا وتفصلنا عن أنفسنا وعن الآخرين، لم تمنعني الخلفيات الالكترونية من الاستمتاع بتجليات كاميليا الصوتية الجريئة الشرسة، والمطربة في الوقت نفسه .
أغاني الألبوم الإحدى عشر، جعلتني أراها كجدارية ضخمة مليئة بعشرات التفاصيل والمنمنمات الصغيرة، التي تتواطأ مع بعضها البعض لتعطيك الحس النهائي، مع إمكانك الاستمتاع بكل تفصيلة على حدًى .
ربما تكمل كاميليا في الطريق ذاته، وربما تبحث عن طرق أخرى في تجارب جديدة على حد قولها، فهي تجرب، وما أحوجنا إلى تجارب بكل ذاك النضوج والثورة والجمال .