فصاحب الحق لايثق بادعائهم الإعسار؟
فنقول:نعم، الأمانات اليوم اختلفت لا شك، وقد يدعي الإعسار من ليس بمعسر،
وقد يأتي بالشهود على أنه معسر،لكن أنت إذا تحققت أو غلب على ظنك أنه معسر
وجب عليك الكف عن طلبه ومطالبته.
أما إذا علمت أن الرجل صاحب حيلة وأنه موسر لكن ادعى الإعسار من أجل أن
يماطل بحقك فهنا لك الحق أن تطلب وتطالب، هذا بالنسبة للمعسر بحق لك.
أما إذا كان معسراً بحق لغيرك فإن التيسير عليه سنة وليس بواجب،اللهم إلا أن
تخشى أن يُساء إلى هذا الرجل المعسر ويحبس بغير حق وما أشبه ذلك،فهنا قد نقول بوجوب
إنقاذه من ذلك، ويكون هذا واجباً عليك مادمت قادراً.
.6أن التيسير على المعسر فيه أجران: أجر في الدنيا وأجر في الآخرة.
فإن قال قائل: لماذا لم يذكر الدنيا في الأول: "مَنْ نَفّسَ عَنْ مُؤمِن كُربَةً مِن
كُرَبِ الدُنيَا نَفّسَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِنْ كُرَبِ يَوم القيامَةِ" فقط؟
قلنا : الفرق ظاهر، لأن من نفس الكربة أزالها فقط،لكن الميسر على المعسر فيه
زيادة عمل وهو التيسير، وفرق بين من يرفع الضرر ومن يحدث الخير.
فالميسر محدث للخير وجالب للتيسير، والمفرج للكربة رافع للكربة فقط، هذا والله أعلم وجه
كون الأول لا يجازى إلا في الآخرة، والثاني يجازى في الدنيا والآخرة.
.7الحث على الستر على المسلم لقوله: "وَمَنْ سَتَرَ مُسلِمَاً سَتَرَهُ الله في الدُّنيَا وَالآخِرَة".
ولكن دلت النصوص على أن هذا مقيد بما إذا كان الستر خيراً، والستر ثلاثة أقسام:
القسم الأول:أن يكون خيراً.
والقسم الثاني: أن يكون شراً.
والقسم الثالث:لا يدرى أيكون خيراً أم شراً.
أما إذا كان خيراً فالستر محمود ومطلوب.
مثاله:رأيت رجلاً صاحب خلق ودين وهيئة- أي صاحب سمعة حسنة -
فرأيته في خطأ وتعلم أن هذا الرجل قد أتى الخطأ قضاءً وقدراً وأنه نادم، فمثل هذا ستره محمود ، وستره خير .
الثاني: إذا كان الستر ضرراً: كالرجل وجدته على معصية،أو على عدوان على الناس
وإذا سترته لم يزدد إلا شراً وطغياناً، فهنا ستره مذموم ويجب أن يكشف أمره لمن يقوم بتأديبه،
إن كانت زوجة فترفع إلى زوجها، وإن كان ولداً فيرفع إلى أبيه،وإن كان مدرساً يرفع إلى مدير
المدرسة، وهلم جرا.
المهم: أن مثل هذا لا يستر ويرفع إلى من يؤدبه على أي وجه كان،لأن مثل هذا إذا ستر-
نسأل الله السلامة- ذهب يفعل ما فعل ولم يبال.
الثالث:أن لا تعلم هل ستره خير أم كشفه هو الخير:فالأصل أن الستر خير،ولهذا يذكر في الأثر
( لأن أخطىء في العفو أحب إليّ من أن أخطىء في العقوبة)[252] فعلى هذا نقول:
إذا ترددت هل الستر خير أم بيان أمره خير، فالستر أولى، ولكن في هذه الحال تتبع أمره، لا تهمله،
لأنه ربما يتبين بعد ذلك أن هذا الرجل ليس أهلاً للستر.
.8أن الله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه،ففيه الحث على عون إخوانه من
المسلمين في كل ما يحتاجون إلى العون فيه حتى في تقديم نعليه له إذا كان يشق على صاحب النعلين
أن يقدمهما،وحتى في إركابه السيارة، وحتى في إدناء فراشه له إذا كان في بَرٍّ أو ما أشبه ذلك.
فباب المعونة واسع، والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
.9علم الله عزّ وجل بأمور الخلق وأنه يعلم من نفس عن مؤمن كربة، ومن يسر على معسر،
ومن ستر مسلماً، ومن أعان مسلماً ، فالله تعالى عليم بذلك كله.
.10بيان كمال عدل الله عزّ وجل، لأنه جعل الجزاء من جنس العمل، وليتنا نتأدب بهذا الحديث
ونحرص على تفريج الكربات وعلى التيسير على المعسر،وعلى ستر من يستحق الستر،وعلى معونة
من يحتاج إلى معونة، لأن هذه الآداب ليس المراد بها مجرد أن ننظر فيها وأن نعرفها، بل المراد أن
نتخلق بها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ساقها من أجل أن نتخلق بها، لا يريد منا أن نعلمها
فقط، بل يريد أن نتخلق بها ولذلك كان سلفنا الصالح من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين
- رحمهم الله - يتخلقون بالأخلاق التي يعلمهم نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم .
.11الحث على معونة أخيك المسلم، ولكن هذا مقيد بما إذا كان على بر وتقوى،لقول الله تعالى:
(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: الآية2) أما على غير البر والتقوى فينظر:
إن كان على إثم فحرام،لقوله تعالى: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ )(المائدة: الآية2)
وإن كان على شيء مباح فإن كان فيه مصلحة للمعان فهذا من الإحسان،وهو داخل في عموم قول الله تعالى:
( وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة:93] وإن لم يكن فيه مصلحة للمعان فإن معونته
إياه أن ينصحه عنه، وأن يقول: تجنب هذا، ولا خير لك فيه.
.12أن الجزاء من جنس العمل، بل الجزاء أفضل، لأنك إذا أعنت أخاك كان الله في عونك،
وإذا كان الله في عونك كان الجزاء أكبر من العمل.
.13الحث على سلوك الطرق الموصلة للعلم،وذلك بالترغيب فيما ذكر من ثوابه.
.14الإشارة إلى النية الخالصة، لقوله : "يَلتَمِسُ فيهِ عِلمَاً" أي يطلب العلم للعلم،فإن
كان طلبه رياءً وهو مما يبتغى به وجه الله عزّ وجل كان ذلك إثماً عليه.
وما ذكر عن بعض العلماء من قولهم: ( طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله )
فمرادهم أنهم في أول طلبهم لم يستحضروا نية كونه لله عزّ وجل ثم فتح الله عليهم ولا يظهر
أنهم أرادوا أنهم طلبوا العلم رياءً، لأن هذا بعيد لا سيما في الصدر الأول.
.15إطلاق الطريق الموصل للعلم، فيشمل الطريق الحسي الذي تطرقه الأقدام،
والطريق المعنوي الذي تدركه الأفهام.
الطريق الحسي الذي تطرقه الأقدام: مثل أن يأتي الإنسان من بيته إلى مدرسته، أو من بيته
إلى مسجده، أو من بيته إلى حلقة علم في أي مكان.
أما الذي تدركه الأفهام: فمثل أن يتلقى العلم من أهل العلم، أو يطالع الكتب،أوأن يستمع
إلى الأشرطة وما أشبه ذلك.
.16أن الجزاء من جنس العمل، فكلما سلك الطريق يلتمس فيه العلم سهل الله له به طريقاً إلى الجنة.
.17أنه ينبغي الإسراع في إدراك العلم وذلك بالجد والاجتهاد، لأن كل إنسان يحب
أن يصل إلى الجنة على وجه السرعة، فإذا كنت تريد هذا فاعمل العمل الذي يوصل إليها بسرعة.
.18أن الأمور بيد الله عزّ وجل، فبيده التسهيل، وبيده ضده، وإذا آمنت بهذا فلا
تطلب التسهيل إلا من الله عزّ وجل.
.19الحث على الاجتماع على كتاب الله عزّ وجل، ثم إذا اجتمعوا فلهم ثلاث حالات:
الحال الأولى:أن يقرؤوا جميعاً بفم واحد وصوت واحد، وهذا على سبيل التعليم لا بأس به
،كما يقرأ المعلم الآية ثم يتبعه المتعلمون بصوت واحد، وإن كان على سبيل التعبد فبدعة،لأن ذلك
لم يؤثر عن الصحابة ولا عن التابعين.
الحال الثانية:أن يجتمع القوم فيقرأ أحدهم وينصت الآخرون، ثم يقرأ الثاني ثم الثالث ثم الرابع
وهلم جراً، وهذا له وجهان:
الوجه الأول: أن يكرروا المقروء، فيقرأ الأول مثلاً صفحة، ثم يقرأ الثاني نفس الصفحة،
ثم الثالث نفس الصفحة وهكذا، وهذا لا بأس به ولا سيما لحفاظ القرآن الذين يريدون تثبيت حفظهم.
الوجه الثاني:أن يقرأ الأول قراءة خاصة به أو مشتركة، ثم يقرأ الثاني غير ما قرأ الأول،
وهذا أيضاً لا بأس به.
وكان علماؤنا ومشايخنا يفعلون هذا،فيقرأ مثلاً الأول من البقرة، ويقرأ الثاني الثمن الثاني،
ويقرأ الثالث الثمن الثالث وهلم جراً، فيكون أحدهم قارئاً والآخرون مستمعين، والمستمع له
يتبع