الحمد لله و الصلاة و السلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
منقول من كتاب: المنتقى من كتاب التذكرة في أحوال الموتى و أمور الآخرة
الطبعة الأولى صفحة 90
يا هذا أين الذي جمعته من الأموال ، و أعددته للشدائد و الأهوال ، لقد أصبحت كفك عند الموت خاليا صفرا ،
و بدلت بعد غناك ذلا و فقرا ، فكيف أصبحت يا رهين أوزاره ، و يا من سلب من أهله و داره ، ما كان أخفى
عليك سبيل الرشاد ، و أقل اهتمامك بحمل الزاد إلى سفرك البعيد ، و موقفك الصعب الشديد ، أو ما علمت
يا مغرور أن لابد من الارتحال إلى يوم شديد الأهوال ، و ليس ينفعك ثم قيل و لا قال ، بل يعد عليك بين يدي
الملك الديان ما بطشت اليدان ، و مشت القدمان ، و نطق به اللسان ، و عملت الجوارح و الأركان ، فإن رحمك
فإلى الجنان ، و إن كانت الأخرى فإلى النيران ، يا غافلا عن هذه الأحوال إلى كم هذه الغفلة و التوان ، أتحسب
أن الأمر صغير ، أو تزعم أن الخطب يسير ، أو تظن أن سينفعك حالك إذا آن ارتحالك ، أو ينقذك مالك حين
توبقك أعمالك ، أو يغني عنك ندمك إذا زلت بك قدمك ، أو يعطف عليك معشرك حين يضمك محشرك ، كلا
و الله ساء ما تتوهم ، ولابد لك أن ستعلم ، لا بالكفاف تقنع ، و لا من الحرم تشبع ، و لا للعظات تسمع ،
و لا بالوعيد تردع ، دأبك أن تنقلب مع الأهواء ، و تخبط خبط العشواء ، يعجبك التكاثر بما لديك ، و لا تذكر
ما بين يديك ، يا نائما في غفلة و في خبطه يقظان ، إلى كم هذه الغفلة و التوان. أتزعم أن ستترك سدى و أن
لا تحاسب غدا أم تحسب أن الموت يقبل الرشا أم يميز بين الأسد و الرشا ، كلا و الله لا يدفع الموت عنك مال
و لا بنون ، و لا ينفع أهل القبور سوى العمل المبرور ، فطوبى لمن سمع و وعى و حقق ما ادعى و نهى النفس
عن الهوى و علم أن الفائز من ارعوى "وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) (سورة النجم).
فانتبه من هذه الرقدة ، و اجعل العمل الصالح لك عدة ، و لا تتمنى منازل الأبرار و أنت مقيم على الأوزار و عامل
بعمل الفجار ، بل أكثر من الأعمال الصالحات ، و راقب في الخلوات رب الأرض و السماوات ، و لا يغرنك الأمل
فتزهد عن العمل ، أو ما سمعت الرسول صلى الله عليه و سلم يقول لما جلس على القبور: "إخواني لمثل هذا فأعدوا"
(أخرجه ابن ماجة و حسنه الألباني) ، أو ما سمعت الذي خلقك فسوى يقول: "وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى" (سورة البقرة -197).
منقول من منتدى طريق الإيمان