المكتبات في العصر الأموي
بعد تدوين القرآن الكريم في المصاحف وبعد أن اتسعت رقعة الدولة الإسلامية قل الاعتماد
على الذاكرة واصبح الاعتماد على الكلمة المكتوبة ، كما انهم بدأوا بالاحتكاك بالأمم الأخرى
ومشاهدة ما عندهم من حضارات ،وبدأت عملية التمازج بين حضارة المسلمين وحضارات الأمم الأخرى فبدأت مرحلة التدوين والنقل والتأليف.
وكانت الكتابة تتم في العصر الأموي على القراطيس المصنوعة بمصر من لب البردى, وكان اختراع الورق أو الكاغد عاملا" حاسما" في نشر المعرفة وغزارة المؤلفات وبدا عهد ازدهار الكتب والمكتبات في الإسلام .
وبدأت عملية النقل من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية في فترة خلافة خالد بن يزيد وعمر بن عبد العزيز في دمشق خلال القرن الأول الهجري ، وفي بغداد في القرن الثاني الهجري زمن الخلفاء العباسين ( المنصور والمأمون ) .
لعل أهم ناحية في التأليف في عصور الإسلام الأولى هو تسجيل الحوادث التي لها علاقة بالرسول الكريم وبالحديث الشريف وتمثل ذلك في الرغبة بضبط الحديث وروائه كونه المصدر الثاني من مصادر التشريع في الإسلام .
أن أول من آمر بتدوين القصص والأخبار والتواريخ هو معاوية بن أبي سفيان ، فعندما استلم الخلافة قال :أردت أن يكون عندنا من يحدثنا أخبار من سبقنا وهل يشبه ما نحن فيه اليوم .
وأشاروا عليه برجل بحضرموت معمر اسمه آمد بن ابد الحضرمي ، كما ورد عليه عبيد بن شريه من المعمرين باليمن وكان آية في معرفة تواريخ اليمن وملوك العرب والعجم فأمر معاوية كتابه أن يدونوا ما يتحدث به عبيد بن شريه في مجلسه ، فكان ذلك بداية تدوين التاريخ .
أن أول نقل أو تعريب كان في الإسلام في عاصمة الشام كان أيام خالد بن يزيد بن أبي سفيان حكيم آل مروان وعالم قريش فقد زهد في الخلافة وعشق العلم فإذا أنشأ جده معاوية ملكا" في الشام فانه انشأ بعلمه مملكة .
كان خالد له همة ومحبة للعلم فقد احضر جماعة من فلاسفة اليونان ممن كانوا بمصر وأمرهم بنقل الكتب من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي.
وخالد بن يزيد أول من جمعت له الكتب وجعلها في خزائن الإسلام وفي دمشق على الأرجح أنشئت أول دار للكتب في العالم العربي .
ودمشق أول عاصمة أنشئت فيها دار ترجمه فالشام أول سوق نفقت فيها بضاعة العلم والأدب، وخالد بن يزيد أول من عنى بعلوم الفلسفة وكان مقيما" في حلب سنة (85) هجري والتي نحتفل بها ألان كعاصمة للثقافة الإسلامية ، ومن الأشخاص الذين ورد اسمهم كناقلين
ومترجمين جبله بن سالم .
وللشامين منذ القدم ميل إلى النقل عن الأمم الأخرى هكذا فعلوا في كل قرن ، فقد كان الناقلون منهم في القرنين الأول والثاني وكذلك في القرون التالية وهم اقدر على تعلم اللغات .
والمتتبع لأخبار النقل يجد أن معظمهم من السوريين سكان الشام والجزيرة والعراق ، وللسورين شان كبير في نشر العلوم بين الأمم ونفلها من أمة إلى أخرى ومن لسان إلى أخر من اقدم أزمنة التاريخ .
فلما ظهر الإسلام ورغب الخلفاء نفل العلوم إلي العربية كان السوريون ساعدهم الأقوى في نقلها من اللغات الأخرى إلى العربية وفيهم الحمصي والدمشقي والبعلبكي والحيري والحراني والبصري .
ونقل العلوم من لسان إلى أخر لا يتيسر آلا باستيعاب تلك العلوم وتفهمها ، فضلا"عن إتقان اللغات اللازمة لذلك ، ولهذا كان اكثر أولئك المترجمين أهل العلم الواسع فيما اشتغلوا بنقله وفيهم من ألف في فروع العلم .
أن أول نقل حدث في الإسلام كان بفضل خالد بن يزيد بن معاوية والذي نقل له "اصطفن "من الإسكندرية وكان النقل من السريانية والقبطية إلى العربية .
أن عمل خالد بن يزيد تزامن مع عمل آخر في النقل آمر به مروان بن الحكم ، ويشير ابن جلجل بكتابه "طبقات الأطباء والحكماء" ، أن الطبيب البصري الذي عاش في العصر الأموي وتوفى أيام مروان بن الحكم ترجم كتاب " آهرن بن أعين القس "إلى العربية .
وفي زمن الخليفة عبد الملك بن مروان تم نقل الدواوين من اليونانية إلى العربية في سوريا ومن الفارسية إلى العربية في العراق وبلاد فارس وذلك على يد الحجاج وآلي عبد الملك بن مروان ، ومن القبطية إلى العربية في مصر على يد عامل الخليفة على مصر عبد العزيز بن عبد الملك .
استمرت عملية النقل زمن الخلفاء الأمويين وصدر الخلافة العباسية وتذكر كتب التاريخ بان جبله بن سالم كاتب الخليفة هشام بن عبد الملك كان ينقل من اللغة الفارسية إلى العربية,كما جرت عملية نقل تواريخ الأمم من الفارسية إلى العربية زمن هشام بن عبد الملك .
ويشير بن جلجل في كتابه " طبقات الأطباء والحكماء ص 61"إلى أن الخليفة عمر بن عبد العزيز وجد الكتاب في خزائن الكتب الأموية وانه استخار الله في استخراجه إلى المسلمين ووضعه بين أيديهم للانتفاع به .
لقد زهى العصر الأموي بوجود أشخاص أمثال عبد الحميد الكاتب فقد كان كاتبا" لمروان بن محمد آخر خلفاء بني أميه وعبد الله بن المقفع الفارسي الأصل ، وقد نشأ في هذا العصر وهو من تلاميذ الكاتب ونقل إلى العربية كتاب (كليله ودمنه) وأيضا"من الأطباء الذين ظهروا في فترة حكم الأمويين ابن آثال طبيب معاوية بن أبي سفيان وأبو الحكم العالم بأنواع العلاج والأدوية وعلاقة بن كريم الكلابيّ عالم الأنساب والأخبار وأحاديث العرب القديمة وزياد بن
أبيه .
هذا النص الصريح بالإشارة إلى وجود خزائن كتب لدى الخلفاء الأمويين قبل عمر بن عبد العزيز توضع فيها الكتب المؤلفة والمعربة ،وان بعض الخلفاء كانوا يطلعون عليها لان من واجبهم نشر الكتب المفيدة وإذاعتها بين المسلمين
ونستطيع أن نجمل مميزات العصر الأموي بأنه وضعت فيه جميع البذور الأولى للحضارة الاسلاميه والكتاب الإسلامي والمكتبات الاسلاميه ، فقد دونّ القرآن الكريم ووزع على الأمصار وبدأت عملية جمع الحديث الشريف وبدأت عملية نقل الكتب من اللغات الأخرى إلى العربية وبدأت الدراسات الفقهية وجمعت الأنساب والأشعار وظهرت المكتبات الخاصة .
لقد تأسست أول مكتبة أكاديمية على يد خالد بن يزيد وقد زود مكتبته بمواد فلكيه عبارة عن كرة مصنوعة من النحاس نقش عليها أسمه .
لقد وضعت البذور الأولى للمكتبات في الإسلام في العصر الأموي وازدهرت ونمت في العصر العباسي .